استعرضت منصة "فكير تورو" التركية تحليلاً جيوسياسيًا، أبعاد ومآلات "تحالف مكة الدفاعي"، الذي يضم تركيا، والمملكة العربية السعودية، وباكستان، كإطار أمني إقليمي يسعى لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على الضمانات الخارجية. 


وأوضح التقرير أن التحالف تجاوز مرحلة الإعلان النظري بعد تأسيس أمانة عامة له في الرياض، وتعيين أمين عام باكستاني، واجتيازه أول اختبار عملياتي ميداني في 5 أكتوبر بتفعيل تدابير الردع الجماعي ضد هجمات الحوثيين.


وفي هذا السياق، تسلط القراءة التحليلية الضوء على معضلة انضمام مصر، التي تشارك مع القادة الثلاثة في إطار تشاوري غير ملزم يُعرف باسم (R4) منذ ربيع 2026، دون التوقيع رسميًا على ميثاق التحالف الدفاعي المشترك حتى الآن.

 


أولاً: القيمة الاستراتيجية والجغرافية التي تضيفها مصر

 

يرى الباحث الدكتور يوسف بهادير كيسكين في تقريره، أن القيمة الأساسية لمصر في هذا التجمع لا تقتصر على قدراتها العسكرية الذاتية، بل تنبع أساسًا من موقعها الجغرافي الحيوي:


يساهم انضمام مصر في نقل الحلف من محوره الحالي (أناضول-خليج-جنوب آسيا) ليضيف إليه أبعادًا حاسمة تشمل شرق البحر الأبيض المتوسط، وقناة السويس، والبحر الأحمر، وشمال أفريقيا.


أثبتت التهديدات الحوثية في مضيق باب المندب ترابط أمن الملاحة وقناة السويس بالعمق السعودي، ووجود مصر يتيح بناء منظومة أمنية متكاملة قادرة على حماية ضفتي البحر الأحمر في آن واحد.


تمثل القاهرة المركز التاريخي والفكري للعالم العربي، وانخراطها يعزز الارتباط العربي-الأفريقي للحلف، فضلاً عن خبرتها الطويلة في الملف الفلسطيني وقنوات اتصالها المباشرة مع إسرائيل مما يرفع كفاءة إدارة الأزمات الإقليمية.

 

 

ثانيًا: أسباب التردد المصري (حسابات الكلفة والتعقيد)


وفقًا للتحليل، تتجنب الإدارة المصرية التوقيع على اتفاقية دفاعية ملزمة رغبةً في الحفاظ على سياسة التوازن الحذرة وهامش الحركة مع مختلف الأطراف الدولية، وتتلخص هواجسها في:


 معادلة شرق المتوسط: رغم مسار التطبيع السريع والنمو في العلاقات بين أنقرة والقاهرة، إلا أن البلدين يملكان مواقف قانونية متباينة؛ إذ لا تعترف مصر بالاتفاقية البحرية التركية-الليبية، ووقعت اتفاقية منطقة اقتصادية خالصة مع اليونان وتتعاون مع قبرص. إلا أن التقرير يشير إلى أن التقارب الأمني الأخير بين إسرائيل واليونان وقبرص قد يتحول إلى عامل تقارب بين أنقرة والقاهرة لمواجهة خطر مشترك.


العلاقات الاستراتيجية مع الهند والإمارات: الانخراط في حلف تقوده باكستان عملياتيًا قد يهدد "الشراكة الاستراتيجية" المتنامية بين القاهرة ونيودلهي (التي تنظر بريبة للحلف). كما أن الاستثمارات الاقتصادية الضخمة للإمارات في مصر (مثل مشروع رأس الحكمة) تجعل القاهرة حذرة من الدخول تحت مظلة أمنية تقودها الرياض، نظرًا لتباين الأولويات الإماراتية-السعودية أحيانًا في بعض الملفات كاليمن.


الملف الإسرائيلي والمحددات الدستورية: تثير بندية "الدفاع المشترك" تساؤلات لدى المشرّع المصري حول طبيعة الالتزام العملياتي المطلوب في حال حدوث صدام مع إسرائيل، بخاصة وأن المادة 152 من الدستور المصري تشترط موافقة ثلثي البرلمان لإرسال قوات قتالية إلى الخارج.


السيادة ومفهوم القيادة: ترفض مصر الظهور بمظهر الطرف التابع أو "الملحق" بترتيبات أمنية صاغتها عواصم أخرى (حيث الأمانة العامة بالرياض والقيادة العسكرية لباكستان)، بل تصر على أن تكون مركزاً شريكاً في صياغة القواعد والسياسات.

 

 

ثالثًا: رؤية الدول المؤسِّسة (الموازنة بين المؤسسية والتوسع)


يشير التقرير إلى أن الدول المؤسسة الثلاث (تركيا، السعودية، باكستان) تعتبر مصر "شريكًا طبيعيًا" بحسب تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. ومع ذلك، لا يمثل انضمام القاهرة شرطًا أساسيًا لاستمرار الحلف؛ حيث يمتلك الثلاثي نواة صلبة ومتكاملة (تكنولوجيا وخبرة عملياتية تركية، تمويل وطاقة سعودية، عمق عسكري ونووي باكستاني). ويفضل المؤسسون ترسيخ البنية المؤسسية، وآليات القيادة، والاتفاق على المشروعات الدفاعية المشتركة أولاً، قبل الإقدام على توسيع قد يؤدي إلى إبطاء سرعة اتخاذ القرار أو تمييع تعريف "التهديد المشترك".


ويرى التقرير أن صيغة منبر (R4) الحالي تمنح مصر مساحة مثالية للتواجد في مناقشات الأمن الإقليمي وإبداء التضامن (مثل إدانة هجمات الحوثيين في اجتماع إسطنبول) دون تحمل أعباء دفاعية ملزمة. 


ويخلص الكاتب إلى أن التريث الحالي ليس رفضًا، بل هو "عملية موازنة دقيقة بين المكاسب والتكاليف"؛ لكن مع استمرار اشتعال أزمة اليمن وتحول الحلف إلى هيكل أكثر فاعلية على الأرض، لن تعود الأسئلة مقتصرة على "هل ينجح الحلف بدون مصر؟" بل "إلى أي مدى تتحمل مصر تكلفة البقاء خارج مظلة هذا التحالف الدفاعي المؤثر؟"

 

https://fikirturu.com/jeo-politika/misir-mekke-ittifakina-ne-getirir/